الشراكات الاقتصادية الخارجية : هل تتجاوز تونس أسوار أوروبا و تعود إلى عمقها الإفريقي ؟

بقلم منية العيادي

الشراكات الاقتصادية الخارجية : هل تتجاوز تونس أسوار أوروبا و تعود إلى عمقها الإفريقي ؟

 

 

لطالما كانت أوروبا طيلة العقود الماضية الشريك الاقتصادي التقليدي لتونس بعد أن ركزت هذه الأخيرة على التعامل مع الأسواق الأوروبية في مستوى مبادلاتها التجارية و معاملاتها الاقتصادية إلا أن بلادنا اليوم أصبحت تتطلع الى تنويع أسواقها الخارجية و إلى ايجاد حرفاء اقتصاديين جدد و خيرت الانفتاح على أسواق جديدة بعد أن أثبتت التجربة أن الاقتصار على الحرفاء التقليديين ليس بالحل الأنجع في ظل تواصل الأزمة بالفضاء الأوروبي و تراجع الطلب، و هو ما دفع تونس إلى وضع خطط أخرى بديلة للرفع في حجم المبادلات التجارية الخارجية و انعاش الاقتصاد الذي يشهد ضغوطات كبيرة من طرف الجهات الدولية المالية المانحة بسبب ارتفاع المديونية و تراجع نسبة النمو .

تونس الحائزة على مرتبة “الشريك المميز” للاتحاد الأوروبي و هذا الأخير الذي يعتبر الشريك الاقتصادي الأول لتونس يتحكّم بأكثر من 60 في المئة من حجم المبادلات التونسية. في سنة 2015 مثلاً، استأثرت أوروبا بـ74.5 في المئة من مجموع الصادرات التونسية و 55.7 في المئة من مجموع الواردات (مع فروقات كبيرة في قيمة و جودة السلع المتبادلة). عدد المؤسسات الأوروبية في تونس يتجاوز 3 آلاف مؤسسة، تشغِّل قرابة 300 ألف تونسي، و تمثّل أكثر من نصف الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

نشأة و تطور الشراكة الاقتصادية بين تونس و أوروبا

تعود أولى الاتفاقيات بين الطرفين إلى ستينيات القرن العشرين، أي بعد سنوات قليلة من استقلال تونس (1956) و تَكوّن المجموعة الاقتصادية الأوروبية (1957). تطوّرت العلاقة من عقود تجارية محدودة إلى اتفاقيات تعاون، ثم إلى اتفاق شراكة و تبادل حرّ، وصولاً إلى مرتبة الشريك المميز التي أسندها الاتحاد الأوروبي لتونس سنة 2012.

– اتفاقية الشراكة بين تونس و المجموعة الاقتصادية الأوروبية 1969

وُقّعت هذه الشراكة من أجل إنشاء منطقة تبادل حرّ بين الطرفين، لكنها في حقيقة الأمر وسّعت الاتفاق الثنائي القائم بين تونس وفرنسا ليشمل بضعة بلدان أوروبية أخرى. كان الاتفاق تجارياً ومحدوداً، ونصّ على تمكين تونس من معاملة تفضيلية وتخفيضات جمركية على بعض السلع التي تصدّرها للدول الأوروبية، مقابل تمتّع هذه الأخيرة بامتيازات مبدأ “الدولة الأعلى أفضلية”.

جاءت هذه الاتفاقية في السنة نفسها التي قرّرت فيها تونس التخلّي عن نمط انتاج شبه اشتراكي، يقوم أساساً على دور الدولة و التعاضديات الفلاحية و الحرفية و التجارية. و كان الجانب الأوروبي يؤكد أن هذه الاتفاقية تهدف أساساً إلى مساندة تونس المستقلّة حديثاً، ومساعدتها على النهوض اقتصادياً واجتماعياً. لكن يجب ألاّ ننسى أنها أتت في أوج الحرب الباردة والاستقطاب ما بين المعسكر الغربي الرأسمالي والشرقي الاشتراكي.

– اتفاقية التعاون بين المجموعة الاقتصادية الأوروبية وتونس سنة 1976

مثلّت هذه الاتفاقية تطوراً حقيقياً في العلاقة بين الطرفين. فقد اتسعت لتشمل، فضلاً عن التجارة، جوانب اقتصادية أخرى، مالية وصناعية وتقنية واجتماعية. دعم هذا الاتفاق الامتيازات التي يتمتّع بها كلا الطرفين، خصوصاً تونس التي أصبحت تتمتع بتخفيضات جمركية تتراوح قيمتها ما بين 20 و100 في المئة، وتشمل 80 في المئة من منتوجاتها الفلاّحية (الزراعية) المصدّرة إلى أوروبا.

رسخت اتفاقية التعاون أوروبا شريكاً أولاً للاقتصاد التونسي. وسلكت تونس منذ سنة 1970 نمطاً اقتصادياً ليبرالياً قائماً على تشجيع الاستثمار الخاص، المحلي والأجنبي خصوصاً، وتدعيم إنتاج المواد الفلاّحية والمعمليّة الخفيفة الموجَّهة للتصدير، والسياحة الرخيصة الموجّهة أساساً للأوروبيين.

– اتفاقية الشراكة والتبادل الحرّ بين تونس والاتحاد الأوروبي سنة 1995

تعتبر إلى اليوم المحطّة الأهم في تاريخ العلاقات الاقتصادية بين الطرفين. وتندرج ضمن مسار الشراكة الأورومتوسطية. فبعد نهاية المدة الزمنية لاتفاقية سنة 1976 وملاحقها، وتطبيقاً لمبادئ اتفاقية “GATT” المتعلقة بالتعريفة الجمركية والتبادل الحرّ، قرّر الطرفان التفاوض حول الشكل الجديد للشراكة الاقتصادية بينهما.

تم توقيع الاتفاقية في جويلية 1995، ودخلت حيّز التنفيذ في جانفي 1998. ركّزت الاتفاقية على تحرير المنتجات الصناعية والمعملية، في حين أجلت التفاوض حول تحرير السلع الفلاّحية والطاقية والخدمات والصفقات العمومية. في 2008، صارت منطقة التبادل الحرّ واقعاً، وبدأ التحرير الشامل للسلع الصناعية والمعملية و إعفائها من الرسوم الجمركية.

ولدت هذه الاتفاقية الجديدة في مناخ تغييرات مهمة في العالم و أوروبا و تونس. فهي تأتي مباشرة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي و بداية عصر الهيمنة الأميركية والنيوليبرالية. وفي أوروبا، تزامنت مع ظهور الصيغة الجديدة للاتحاد الأوروبي سنة 1993، بدول أكثر و مؤسسات مختلفة. أما في تونس، فأتت بعد سنوات قليلة من وصول زين العابدين بن علي لسدة الحكم، و انضمام تونس لمنظمة التجارة العالميّة (1994)، و تبنّيها “إصلاحات هيكلية” نيوليبرالية فرضها صندوق النقد الدولي.

– حصول تونس على مرتبة الشريك المميز للاتحاد الأوروبي سنة 2012

هذه “الجائزة” استحقتها تونس – حسب المسؤولين الأوروبيين – نظراً للتغيّرات السياسية الكبرى التي شهدتها في جانفي 2011، ودخولها في مسار الانتقال الديمقراطي وبناء دولة القانون، وإحداث آليات الحوكمة الرشيدة. يعني أن تونس أصبحت “تتقاسم” القيم نفسها مع أوروبا، مما يستوجب توفير دعم مالي وسياسي لها حتى تمضي قدما. لم تأتِ الاتفاقية بمضامين جديدة على مستوى الرؤية لأشكال الشراكة الاقتصادية، لكنها خصّصت عدّة مساعدات و منح لتطوير الاقتصاد التونسي و ملائمته مع المواصفات و المتطلبات الأوروبية.

وتم الاتفاق بالخصوص على العمل من أجل التوصل إلى اتفاق كامل و معمق للتبادل الحر (أليكا)، واتفاق شراكة يشمل التنقل بالإضافة إلى اتفاق آخر في مجال النقل الجوي (نموذج الأجواء المفتوحة).

اتفاقية الأليكا التي يريدها الاتحاد الأوروبي و انعكاساتها المحتملة على الاقتصاد التونسي

مشروع اتفاقية التبادل الحر الشامل و المعمّق مع الاتحاد الأوروبي المنشود يتعدّى قطاع الصناعات المعملية الذي تمّ تحريره بمقتضى اتفاقية 1995 لتشمل باقي القطاعات الإنتاجية الأخرى، أي الفلاحة و الخدمات و ذلك برفع الحواجز الجمركية و غير الجمركية و التقريب بين الإجراءات و التراتيب القانونية و إلى جانب فتح المجال للتبادل الحر في تجارة الخدمات والمواد الفلاحية وحرية تنقّل المهنيين يتمّ التفاوض حول جملة من المسائل الحسّاسة مثل الصفقات العمومية وسياسة المنافسة وانتصاب المستثمرين وحمايتهم وسياسة التعويض والتنمية المستدامة… كلّ هذه الملفات تستدعي الحذر والتروّي من قبل المفاوضين وعدم التسرّع في إبرام هذه الاتفاقية الجديدة التي تغطّي ما يزيد عن 70 % من الاقتصاد التونسي إضافة إلى القطاع الصناعي الذي تمّ تحريره سابقا بمقتضى اتفاقية الشراكة المبرمة في 1995.

Résultat de recherche d'images pour "‫الاليكا‬‎"

 و قد أبدت أطراف عديدة تخوفاتها من التسرّع في إمضاء هذه الاتفاقية ومنها الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري و خاصة الإتحاد العام التونسي للشغل، كما وصفه بعض الخبراء بالاستعمار الجديد الذي يخوّل للاتحاد الأوروبي السطو مجدّدا على الثروات التونسية. بينما تعتبره بعض الأطراف القريبة من رجال الأعمال فرصة لتحسين مناخ الأعمال و تطوير التشريعات الى المستوى الأوروبي لمزيد دفع الصادرات التونسية و جلب الاستثمارات الأوروبية المباشرة، وبالتالي لدفع النمو الاقتصادي. وبالرغم من تباين الآراء حول الانعكاس الاقتصادي و الاجتماعي للأليكا في مجملها كمشروع اتفاقية للتبادل الحر، فقد أجمع جل الخبراء على أن الفلاحة التونسية ستكون المتضرر الأول إن أمضت تونس هذه الاتفاقية في الأيام القليلة القادمة.

Résultat de recherche d'images pour "‫الاليكا‬‎"

و يرى أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي أن تونس ليست مهيأة بعد لإمضاء اتفاقية الأليكا حيث لا يزال الاقتصاد التونسي في هذه المرحلة الحساسة في حالة التشكل و لم تندرج السياسات الاقتصادية المنتهجة من طرف حكومات ما بعد الثورة في إطار رؤية اقتصادية واضحة إذ أن ضغوطات التوازنات المالية الداخلية و الخارجية خاصة في السنوات الأخيرة لم تمكن تونس من استرداد أنفاسها لتنخرط في اتفاقات مصيرية كما أن العلاقة بين تونس و الاتحاد الأوروبي غير متوازنة و غير متكافئة، و هو ما يجعل بلادنا في وضعية غير مريحة عند التفاوض علاوة على أن شروط المنافسة الدولية بين تونس والاتحاد الأوروبي ليست متوفرة بالمرة.

كما اعتبر الشكندالي تحرير قطاع الفلاحة مجازفة خطرة تتطلب أولا، معرفة ماذا ستربح بلادنا وماذا ستخسر قبل الانطلاق في المفاوضات. فهناك من يرى ان تداعيات الأليكا خطيرة في مجال تربية الأبقار وزراعة الحبوب و مشتقاته، و هو ما قد يخلف أزمات اجتماعية جديدة قد لا تقدر تونس على إدارتها في الوقت الحاضر. ويمكن القول أن شروط المنافسة الدولية غير متوفرة في الوقت الحاضر خاصة في القطاع الفلاحي نظرا لعدم تكافؤ شروط المنافسة بين الطرفين. فالجانب الأوروبي يتمتع بعملة قوية مقارنة بالدينار التونسي الذي لم يتوقف عن الانزلاق ممّا يزيد في تكلفة الفلاح من مستلزمات وآلات يورّدها من الاتحاد الأوروبي بأغلى الأثمان مقارنة بالفلاح الأوروبي الذي يمكن له أن يصدّر منتجاته الى تونس و يحقق أرباحا طائلة من جراء تراجع الدينار التونسي.

تونس تنهي عهد الشراكة الحصرية مع أوروبا و تعود إلى عمقها الإفريقي

 هذه الشراكة شبه الحصريّة مع أوروبا يرى عديد خبراء الاقتصاد أنها جعلت تونس تدير ظهرها لسنوات لعمقها الافريقي و المغاربي العربي، و تترفّع عن الشراكات مع دول الجنوب و “العالم الثالث” عموماً. كما أنها حرمتها من تكوين “سلّة شركاء” تمكّنها من الحصول على عروض أفضل، و تحريك المنافسة لتحسين شروط التفاوض.

غير أن بلادنا اليوم عبرت عن مدى عزمها على تعزيز مقوّمات بعدها الإفريقي من خلال وضع خطط تحرّك نحو الانفتاح الاقتصادي بنيّة التموقع في الساحة القاريّة بأكبر قدر من النجاعة و الفاعليّة خدمة لمصالحها.

Résultat de recherche d'images pour "‫تونس والتوجه الاقتصادي نحو افريقيا‬‎"

و من بين هذه الخطط استهداف الأسواق الافريقية و تحريك آلة الديبلوماسية الاقتصادية نحو مزيد اكتشاف و اقتحام العمق الافريقي و البحث عن فرص و آفاق واعدة للاستثمار هناك خصوصا و أن الدول الافريقية تتوفر على امكانيات هائلة للاستثمار في مختلف المجالات و من شأن تعزيز الاستثمار التونسي هناك أن يوفر لتونس سوقا استهلاكية ضخمة للمنتجات و السلع التونسية و الخدمات.

و كان الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي شارك في القمّة المنعقدة في جانفي 2015 بأديس أبابا و أكّد خلالها أنّ “تونس مصمّمة على استعادة مكانتها و علاقاتها التاريخيّة مع دول القارة سياسيا واقتصاديا و ثقافيا، و تدارك ما شاب هذه العلاقات من نقائص في السنوات السابقة حالت دون تحقيق فرص شراكة فعلية”،

و رغم أن عديد الدول الكبرى مثل الصين و غيرها تفطنت الى السوق الافريقية و لما تختزنه من امكانيات هائلة و تسابقت مع غيرها من الدول الكبرى للتموقع فيها الا انه مازال أمام الديبلوماسية التونسية مجال لافتكاك مفاتيح لدخول هذه الدول و التموقع بأسواقها.

و في هذا الاطار تتنزل الزيارات الرسمية التي أداها رئيس الحكومة يوسف الشاهد الى عدد من الدول الافريقية و تؤكد هذه الخطوة على ارادة الانفتاح على افريقيا و اعطاء دفع جديد للعلاقات مع الدول الافريقية و تحفيز رجال الأعمال و الفاعلين الاقتصاديين خاصة و أن تونس لديها من الكفاءات والخبرات ما يجعلها قادرة على تقديم الاضافة في مجالات الصحة و الصناعات الغذائية و المجال الرقمي و غيرها من المجالات المتطورة.

و اعتبر الديبلوماسي السابق شكري الهرماسي أن قرار التوجه الى الأسواق الافريقية باعتبارها مجالا حيويا بالنسبة لاقتصادنا الوطني يجب أن يترجم على أرض الواقع أولا من خلال ارساء علاقات ديبلوماسية مع معظم الدول الافريقية، لأنه ليس لنا سفارات و علاقات ديبلوماسية إلا مع عدد ضئيل من الدول الافريقية بعكس المغرب الذي كان سبّاقا في هذا المجال و ثانيا من خلال فتح البنوك التونسية لفروع لها في هذه البلدان حتى تتمكن من تقديم المساندة و الدعم للمستثمرين التونسيين ومصاحبتهم في إرساء مشاريعهم هناك و ثالثا عبر فتح خطوط جوية من طرف الخطوط التونسية لتسهيل التنقل الى الدول الافريقية و تنشيط حركة الطيران مع مختلف العواصم هناك و من شأن هذه الخطوات أن تشجع على الاستثمار و لا تجعل المستثمرين التونسيين في عزلة.

و أضاف الهرماسي أن تونس منذ سنين طويلة رفعت شعار التعاون و التعامل مع البلدان الافريقية ولكن لم يتم تجسيده و الارتقاء به الى مستوى استراتيجية كاملة و بقيت الجهود مقتصرة على الاستكشاف وبالتالي فالمطلوب الان دفع الجهود أكثر في اتجاه التفعيل و التطبيق على أرض الواقع خصوصا و أن التجربة التونسية الرقمية لها صدى كبير في هذه الدول.

كما اعتبر الخبير الاقتصادي الصادق جبنون أن قرار الانفتاح على الأسواق الافريقية خطوة ايجابية في حدّ ذاتها رغم تأخرها نظرا لعدم تفعيل البرامج السابقة و أضاف أن افريقيا تعتبر مجالا مستقبليا لنمو الاقتصاد العالمي خصوصا و أن مؤشر النمو في بعض الدول الافريقية فاق 10 % و قد تفطن المغرب الأقصى الشقيق الى أهمية هذه الأسواق مبكرا و حقق انجازات اقتصادية في هذا الصدد.

و أضاف جبنون أن العدد القليل للسفارات التونسية بالقارة الافريقية لا يسوّق لحضور اقتصادي تونسي بارز هناك لذلك لا بدّ من مزيد تكثيف الربط مع القارة من طرف الناقلة التونسية لأن هناك مجالا واسعا للعمل و النشاط الاقتصادي التونسي بافريقيا و هو ما يعد من الحلول الهامة للاقتصاد التونسي حتى يقع توجيه الصادرات و الخدمات التونسية نحو افريقيا لا سيما في مجال المقاولات و الاعلامية و كذلك لتوجيه السياحة الافريقية و الطلبة الافارقة إلى تونس.

و في مقال هامّ باللغة الفرنسية للخبير الدولي كارلوس لوبيز (Carlos Lopes) و هو الأمين العام المساعد للأمم المتحدة و الأمين التنفيذي للجنة الاقتصاديّة لأفريقيا كتبه على هامش أعمال القمّة الأفريقيّة المنعقــدة مــن 30 إلى 31 جــانفي 2016 في أديس أبابا، و قد اختار للمقال عنوانا جذّابا و هو : “مستقبل تونس الاقتصادي في أفريقيا”  بيّن كارلوس لوبيز أنّ تونس، ليست اليوم، للأسف الشديد، ضمن البلدان الأكثر اندماجا في القارة الأفريقيّة. ففي مستوى التصدير نحو أفريقيا، تحتلّ تونس المرتبة  29 في القارة. و في مجال الاستثمار تحتلّ المرتبة  28 في ما يخصّ جاذبيّة الاستثمارات الخارجيّة، على الرغم من بيئة قانونيّة تعتبر الأكثر تحفيزا في أفريقيا.
و أوضح، من ناحية أخرى، أنّه لا يمكن لتونس أن تستفيد من اتفاقية بالي للمنظمة العالميّة للتجارة (المتعلّقة بتسهيل التجارة) إلّا من خلال الاندماج الجهوي في منطقة المغرب العربي وفي مناطق أخرى من القارة،  مؤكّدا أنّه بإمكان تونس أن تضطلع بدور، على الصعيد الأفريقي، لاسيّما في قطاع السياحة، وذلك بالتوجه نحو السوق الأفريقيّة إثر الهجمات الإرهابيّة التي أضرّت بهذا القطاع. ولاحظ أنّ 72,5 بالمائة من مداخيل السياحة في جنوب أفريقيا تأتي من القارة. كما أشار كارلوس لوبيز إلى أنّ لتونس قدرة على الاندماج الاقتصادي في أفريقيا من خلال قطاعات ذات قيمة مضافة في مجال الخدمات كالسياحة الاستشفائية والتعليم العالي والهندسة والاستشارات.
و شاركت تونس مؤخرا في قمة ال”كوميسا” بنيروبي في جويلية المنقضي بوفد رسمي متكون من سفارة تونس بنيروبي و مركز النهوض بالصادرات (الممثلية التجارية بنيروبي والرئيس المدير العام) بالإضافة إلى مؤسسات ناشطة في قطاع الصناعات الغذائية والخدمات. و كانت تونس أعلنت انضمامها بشكل رسمي إلى السوق المشتركة لشرق و جنوب إفريقيا (كوميسا) يوم الأربعاء 18 جويلية 2018، خلال اجتماع قمة رؤساء دول وحكومات البلدان الأعضاء و الذي احتضنه العاصمة الزمبية لوزاكا. 
وقد تخللت هذه القمة مداخلة وزير التجارة و التي سلّط فيها الضوء على التجربة التونسية في المجال الصناعي و انفتاح تونس على الأسواق الخارجية التي مرّت من بلد مصدر للمواد الأولية (نفط وفسفاط) إلى بلد صناعي مصدر للصناعات الميكانيكية و الكهربائية (أكثر من 44% من إجمالي صادرات الخيرات) والنسيج و الملابس و الجلود و الأحذية (22%) و الصناعات الغذائية (13%) في حين أصبحت صادرات الطاقة و المناجم لا تمثّل سوى 9% من إجمالي الصادرات. كما تمّ التطرق خلال مداخلة وزير التجارة إلى ما تمّ إنجازه في تونس في مجال التشجيع على الإستثمار الخارجي و الإحاطة بالمستثمر التونسي من خلال عرض التجربة التونسية في تركيز المناطق و الأقطاب الصناعية و المناطق الحرّة للأنشطة الإقتصاديّة .

و قد سنحت هذه القمّة إلى عقد عديد اللقاءات الثنائيّة، بحضور سفير تونس بنيروبي، مع وزراء التجارة لكل من كينيا و روندا و مصر ومع الأمينة العامة للكوميسا و رئيس المجلس الأقتصادي للكوميسا و رئيس جامعة مصنعي كينيا و رئيس الغرفة الوطنية للتجارة و الصناعة الكينيّة .و تمّت دعوة العديد من الوزراء و الشخصيات الرسميّة و رالقطاع الخاص لحضور المنتدى الإقتصادي الإفريقي الذي سيلتئم بتونس يومي 10 و 11 سبتمبر 2019.

**  قمة روسيا افريقيا 2019 : فرصة تونس للعبور نحو آفاق جديدة أرحب 

كشف سيرجي لافروف، وزير الخارجية الروسي، عن عقد قمة روسيا-أفريقيا 2019  في أكتوبر المقبل في مدينة سوتشي بروسيا.

جاء ذلك خلال كلمته في الاجتماعات السنوية 26 لعام 2019 للبنك الأفريقي للتصدير و الاستيراد “أفريكسيم بنك” في موسكو، جويلية المنقضي وسط حضور كبير من مؤسسات مالية وشركات و ممثلين من دول أوروبية و أفريقية و روسية، حيث تعد هذه المرة الأولى للبنك الذي يعقد اجتماعاته السنوية خارج القارة الأفريقية.

و ستجمع هاته القمة قادة الدول الأفريقية و كبرى المنظمات الأفريقية و ستشهد توقيع العديد من الاتفاقيات التي تساهم في تحسين و رفاهية الشعوب الأفريقية و تحقيق السلام كما ستركز على العديد من القضايا الاقتصادية الهامة ذات الاهتمام المشترك ومنها قطاعات الطاقة و البنية التحتية و التعدين و الزراعة و تكنولوجيا المعلومات.

و قد تأكد “حتى الآن، حضور نحو 35 زعيم دولة أفريقية للقمة الروسية الأفريقية”.

 و اعتبر رئيس مجلس النواب المصري علي عبد العال أن مؤتمر “روسيا – أفريقيا ” يمثل حدثًا فريدًا من نوعه فى تاريخ العلاقات “الروسية – الأفريقية”، و خطوة مهمة لتعزيز أوجه التعاون المشترك بين روسيا و أفريقيا.
هذه القمة تمثل مرة أخرى أهمية العودة إلى للبعد الأفريقى و التقارب مع القارة الافريقية لاسيما و أنها ترتكز على التعاون الاقتصادى بما لديها من إمكانيات و موارد هائلة يمكن استغلالها تحقيقاً للمنفعة المتبادلة بين جميع الدول المنضوية تحت الاتحاد الافريقي من ناحية و بين روسيا من ناحية أخرى ، فإفريقيا تمتلك الكثير من الثروات و على رأسها البترول و الغاز، و الذهب، و الألماس و اليورانيوم وغيرها، فضلاً عن الزراعة، كما أنها تعد سوقاً كبيراً، حيث يزيد عدد سكانها عن أكثر من مليار و نصف، و مقدر له أن يصل إلى حوالى 4 مليارات فى عام 2050.
 و بالنسبة لتونس فإن هذه القمة أتت إليها في طبق من ذهب حيث ستشهد حضور رؤساء و وزراء أفارقة و ممثلين عن مؤسسات اقتصادية و مالية و مصرفية افريقية و خبراء مختصين و بالتالي ستكون فرصة للبحث عن مصادر تمويل جديدة و عقد لقاءات شراكة مباشرة بين المؤسسات الاقتصادية و تعزيز الحضور التونسي في البلدان الافيقية و روسيا.

 التوجه نحو الفضاء الآسيوي

يرى عديد خبراء الاقتصاد أيضا أنه على تونس إضافة إلى القارة الافريقية التوجه نحو القارة الآسيوية حيث يرى الخبير صادق جبنون أنه من الضروري التوجه أيضا الى الفضاء الآسيوي و بالذات نحو الصين و الأمريكيتين مذكرا في هذا الصدد بأن الصين عبر آلية Open Sky سوف تصدّر في السنوات القادمة 130 مليون سائح للوجهات السياحية العالمية و على تونس أن تستعد لتأخذ نصيبها من هذه الفرصة كما لا بدّ لها أن تتفاوض مع الصين من أجل اتفاقية شراكة اقتصادية تعدّل العجز التجاري الذي تعاني منه تونس نحو الصين والبالغ أكثر من 4 مليار دينار و أيضا لتوريد السلع التونسية إلى الصين.

و كانت تونس استضافت الدورة الثامنة لمنتدى رجال الأعمال العرب و الصينيّين تزامنا مع تنظيم المنتدى الإقتصادي التونسي الصيني خلال يومي 02 و 03 أفريل المنقضي.  بحضور وفد يضمّ 200 رجل أعمال صينيّ و ممثّلين عن 50 شركة صينيّة يترأسهم نائب رئيس المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، و هذان الحدثان تمّا بإشراف مباشر من رئاسة الحكومة، و مشاركة رسمية صينيّة.

كما شرعت تونس في إرسال بعثات اقتصادية إلى عديد الدول الآسيوية بهدف بحث سبل تحقيق التوازن في المبادلات التجارية مع هذه البلدان و البحث عن أسواق جديدة لتصدير المنتوجات التونسية و جلب الاستثمار و الترويج للوجهة السياحية التونسية عن طريق إجراء سلسلة من اللقاءات والمحادثات رفيعة المستوى مع مسؤولين سامين و منظمات معنية بالملفات الاقتصادية و التجارية و التنموية والاستثمار، بالإضافة إلى تنظيم منتديات اقتصادية و لقاءات ثنائية بين رجال الأعمال التونسيين و نظرائهم بتلك البلدان .
.

و طرحت عديد الأحزاب المعارضة التي نددت باتفاقية “الاليكا” ” بدائل أخرى في مجال العلاقات الاقتصادية و الخارجية على غرار فتح حوار مع الاقتصاديات الصاعدة (مجموعة البريكس) التي تضم 40 بالمائة من سكان الارض وتمتلك بنك تنمية مشترك و صندوق احتياطي نقدي، واقتحام السوق الافريقية و بعض الأسواق الآسيوية و الأمريكية و اللاتينية فضلا عن الفضاء المغاربي و العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *